محمد بن جرير الطبري
2
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الجزء الحادي عشر [ بقية تفسير سورة التوبة ] القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ يقول تعالى ذكره : ما السبيل بالعقوبة على أهل العذر يا محمد ، ولكنها على الذين يستأذنونك في التخلف خلافك وترك الجهاد معك وهم أهل غنى وقوة وطاقة للجهاد والغزو ، نفاقا وشكا وعد الله ووعيده . رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ يقول : رضوا بأن يجلسوا بعدك مع النساء وهن الخوالف خلف الرجال في البيوت ، ويتركوا معك . وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ يقول : وختم الله على قلوبهم بما كسبوا من الذنوب . فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ سوء عاقبتهم بتخلفهم عنك وتركهم الجهاد معك وما عليهم من قبيح الثناء في الدنيا وعظيم البلاء في الآخرة . القول في تأويل قوله تعالى : يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ . . . فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يقول تعالى ذكره : يعتذر إليكم أيها المؤمنون بالله هؤلاء المتخلفون خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، التاركون جهاد المشركين معكم من المنافقين بالأباطيل والكذب إذا رجعتم إليهم من سفركم وجهاد ؛ قل لهم يا محمد : لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ يقول : لن نصدقكم على ما تقولون . قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ يقول : قد أخبرنا الله من أخباركم ، وأعلمنا من أمركم ما قد علمنا به كذبكم . وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ يقول : وسيرى الله ورسوله فيما بعد عملكم ، أتتوبون من نفاقكم أم تقيمون عليه ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ يقول : ثم ترجعون بعد مماتكم إلى عالم الغيب والشهادة ؛ يعني الذي يعلم السر والعلانية الذي لا يخفى عليه بواطن أموركم وظواهرها . فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فيخبركم بأعمالكم كلها سيئها وحسنها ، فيجازيكم بها الحسن منها بالحسن والسيئ منها بالسيئ . القول في تأويل قوله تعالى : سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ